فخر الدين الرازي
245
المطالب العالية من العلم الإلهي
الرابع عشر : قيل لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هل رأيت ربك ؟ فقال : لا أعبد ربا لم أره . فقيل له : كيف رأيته ؟ فقال : ما رأته [ العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته ] « 1 » القلوب بحقائق العرفان . فقيل له : صف ربك . فقال : إن ربي لطيف الرحمة ، كبير الكبرياء ، جليل الجلالة ، قبل كل شيء ، وليس له قبل ، وبعد كل شيء ، وليس له بعد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، باطن لا بالمباعدة ، سميع بلا آلة ، بصير بلا حدقة ، لا تحده الصفات ، ولا تأخذه السنات ، القدم وجوده ، والأبد أزليته . الذي أيّن الأين . لا يقال له : أين ، والذي كيّف الكيف ، لا يقال له : كيف . الخامس عشر : قيل لذي النون المصري : بم عرفت ربك ؟ قال : عرفت ربي بربي ، ولولا ربي [ أخبرني ] « 2 » لما عرفت ربي . واعلم أن معنى الكلام : أنه سبحانه غرس شجرة المعرفة في أراضي الأرواح ، فهذه الشجرة أرضها الطاعة ، وماؤها العبودية ، وأغصانها الذكر ، وثمرتها الفكر ، فمن واظب على هذه الأعمال وجد هذه الآثار ، ولولا أنه سبحانه ملأ الأرواح من معرفته ، وأنار القلوب بمحبته ، وإلا فكيف يليق بكف من التراب ، معرفة رب الأرباب ؟ وهذا الكلام الذي ذكره ذو النون مأخوذ من قول [ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ] « 3 » . واللّه لولا اللّه ما اهتدينا * ولا تصدقنا ، ولا صلينا السادس عشر : كان رجل مضطجعا في ظل شجرة فسقطت ورقة من تلك الشجرة على وجهه ، فتعجب من كيفية تولد هذه الورقة الخضراء الناعمة من تلك الخشبة اليابسة الكثيفة ، فقال : من الذي أنبت الورق على الشجر ؟ [ فنام فرأى في منامه كأن قائلا يقول : الذي أنبت الورق على الشجر ] « 4 » هو
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) .